الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

242

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والآن يطرح هذا السؤال ، وهو : كيف تتم شهادة الأنبياء على أعمال أممهم ، وكيف تكون ؟ إذا كانت كلمة " هؤلاء " إشارة إلى المسلمين كما جاء في تفسير مجمع البيان ، فإن الجواب على هذا السؤال يكون واضحا ، لأن كل نبي ما دام موجودا بين ظهراني أمته فهو شاهد على أعمالهم ، وبعده يكون أوصياؤه وخلفاؤه المعصومون هم الشهداء على أعمال تلك الأمة ، ولهذا جاء في حق المسيح ( عليه السلام ) أنه يقول في يوم القيامة في جواب سؤال الله سبحانه إياه : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ( 1 ) . ولكن بعض المفسرين احتمل أن تكون لفظة " هؤلاء " إشارة إلى شهود الأمم السابقة ، يعني أننا نجعلك أيها النبي شهيدا على شهداء الأمم من الأنبياء ، وقد أشير في بعض الروايات إلى هذا التفسير ( 2 ) وعلى هذا يكون معنى الآية هكذا : إن كل نبي شاهد على أعمال أمته جميعها في حياته وبعد مماته عن طريق المشاهدة الباطنية والروحانية ، وهكذا الحال بالنسبة إلى رسول الإسلام ، فإن روحه الطاهرة ناظرة - عن هذا الطريق أيضا - على أعمال أمته وجميع الأمم السابقة ، وبهذا الطريق يمكنه أن تشهد على أفعالهم وأعمالهم ، بل وحتى الصلحاء من الأمة والأبرار الأتقياء منها يمكنهم الاطلاع والحصول على مثل هذه المعرفة ، فيكون المفهوم من كل ذلك وجود روح النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من بدء الخلق ، لأن معنى الشهود هو العلم المقترن بالحضور ، ولكن هذا التفسير لا ينسجم مع ما نقل عن السيد المسيح ، لأن الآية المذكورة تقول : إن المسيح لم يكن شاهدا على أمته جمعاء ، بل كان شاهدا عليها ما دام في الحياة ( فتأمل ) .

--> 1 - المائدة ، 117 . 2 - راجع تفسير نور الثقلين والبرهان في ذيل الآية .